النشالة / قصة قصيرة للقاص علي البدر / العراق ...........

 النشالة

إلى أول من نقل الماء من البصرة إلى الكويت. إلى الغائب الحاضر المرحوم محمد اليعقوب.
وإلى أهلنا في الكويت. أهديكم قصتي هذه.
وهكذا انتشر عشرات البحارة على ساحل الخليج العربي. ولم يكن "لمحمد اليعقوب" سوى تذكر أخيه الذي ضاع من بين يديه قبل سنتين، عندما أصر على الغوص لآخر مرة وهو يتلوى من ألم خاصرته حيث أمسك سلته المربوطة بالحبل وأخذ نفسًا عميقًا ثم قرص حافة منخريه واغلق فمه ورمى بنفسه في البحر .
يا ليت ماءَك حلوٌ. أجل. هذه هي اخر كلمات سمعها منه، ظلت تدوي في أعماقه حتى اللحظة فلم يدر أن الماء لن يلامس جسد أخيه ثانية فبات يشعر بذنب قاتل ومرارة لا توصف.
- كفاك غوصًا يا أخي . الرزق على الله. انتظرتك دقيقة. دقيقتين. خمس دقائق وأكثر فسرى الشك في أوصالي عندما سكن الحبل الذي الفه حول كفي، لقد أردتُ أن أضمك الى صدري لآخر مرة ولكن كان لون الدم قانيًا،
يا أَهالي مدينتي.
يا أهالي كاظْمَة.
يا أحبتي،
يا مُنتظِري غُيومِ الشتاءِ وشاربي مياهِ الجِلًيب
ويا حافِري الأَرضَ في الشّامِيَّةِ والدَّسْمة.
يا أهلَ بُيوتِ الطّينِ وشارِبي مِياهِ الجليب.
يا أَهالي فَيْلَكَةِ ويا ساكِني سَواحِلها.
غدًا أفارقُكُم.
أحسُبوا لِفِراقي يومًا. يومَين
وانتظروا عَودَتي هناك.
عِندَ شواطئ المِلحِ القريبة.
تجمهر الناسُ وفُتِحَت أبوابَها البيوتُ وعَمَّت الفوضى وصاح أحدُهم:
-ما بك يا "محمد"؟ صاح آخر: تعال ادنُ مني. تكلمْ، لكنه أصر على نداءاته حتى ساعات متأخرة. وعند الفجر كان هو وبعض مساعديه يهيئون (النشالة) للأبحار. نصبوا ساريتها وثبتوا أشرعتها وبقيت عيون الناس مشدودة إليهم حتى تلاشت مبتعدة تلاطمها الأمواج.
وعندما وصلت، كان العشرات بانتظارها فرحين. نزل بحارتُها وعانقوا الأهالي بحرارة وشرعوا يملؤون خزانات السفينة والتف الأطفال حول "محمد" حاملين أكياساً من التمر، يقبلونه ويلتفون حوله كفراشات تحوم حول زهرة متراقصة بينما استمر البحارة يوزعون أسماكا نادرة من الزبيدي والشانك والهامور وهم فرحين، وانشغل الأهالي والبحارة بملء خزانات السفينة بالماء الحلو وهم يغنون أغاني البحر العذبة وبساعات متسارعة انتهى كل شيء وبانت السفينة وكأنها خزان ماء كبير بينما تراكمت القرَبُ الجلدية الممتلئة بالماء والتي نقلها الأهالي وهم يلهثون، وبدت كجبل رخو تنزل منه قطرات الماء لتنساب حول أوان ملونة جلبتها النسوة كوجبة طعام مع كميات من تمر البرحي اللذيذ محمولًا على أكتاف الرجال، والذي يحبه الكويتيين. ومن بعيد لاحت امرأة تحمل شيئا بدا من حركة جسمها ثقيلًا بينما التف ذراعها الأيسر حول رضيعها. توقفت قليلا لالتقاط أنفاسها فهرول "محمد" نحوها مستغربا وتناول قربة الماء التي بللت عباءتها وطفلها فقال:
-ما هذا؟
-ماء. أجل ماء، وهي تمسح دموعها. وهذا... طفلي جلبته اليك لتراه وتطمئن اليه وتقول لأهلي في الكويت هناك وتشهد انه قد نقل بكفه الماء وسيكبر ويحفر الأرض بساعديه ويوصل الأمل والفرحة اليكم.
وكانت السفينة تترنح يمينا وشمالا وبدت كعلبة صغيرة ومن بعيد شوهد الرجال بملابسهم البيض يلوحون ويغنون، والنسوة بعباءاتهم السود، فشرع البحارة يهيئون السفينة للرسو عندما وجَّه "محمد اليعقوب" دفتها نحو الساحل ملوحًا بيده اليهم وراح يغمس اناءه المعدني في خزان خشبي وينثر الماء عليهم.
اندفع الناس نحو السفينة وخرجوا منها مبللي الرؤوس والثياب يحملون الماء بقربهم وبأوان فخارية ومعدنية أما "محمد اليعقوب" فقد اندفع حاملًا قربته على ظهره وراح مبتعًدا عن الناس، متجولًا بين الأزقة الضيقة البعيدة. انسانة واحدة فقط تشغله الآن. أجل. تلك العجوز الوحيدة التي كانت تعطف عليه وتمسح رأسه وتجفف دموعه وتخفف وطأة اليتم عليه تلك الإنسانة التي علمته قراءة القرآن والكتابة والبحث عن القبلة ليصلي. لابد أن أسقيها. لابد أن أروي عروقها المتيبسة. طرق الباب فظهرت مبتسمة تعانقه وتبكي.
-خذي يا أمي اشربي. هيا تذوقيه. أمسكَت الإناء بيدها المرتعشة وشرعت تشرب الماء وتنظر اليه مبتسمة ثم نظرت اليه نظرات حائرة مرتبكة وقالت:
-ما بك يا ولدي؟ هيا اشرب الماء من يدي. إشرب من اليد التي حملتك سنين طويله.
تناول الإناءَ وشرع يشرب، لكنه بدا منهكًا حتى سقط من يده وذوي الى الأرض بلا حراك. صرخت أمه. التف الناس حوله لكنه ظل ساكنًا بلا حراك. انحنت عليه وقبلته وأغمضت عينيه. أمسكت يده برفق وبدت تحدثه وكأنها لم تصدق بأنها لن تراه إلى الأبد، ثم نهضت متكئة على عصىً تلازمها منذ سنين وقالت:
تَشرَبُ الأمُّ ماءَك ويَسْري في عُروقِها ويَمتَصُّ الرَّضيعُ ثَديَها فَتُسكِرُهُ نَشْوَةُ حُبِّ العراق. عَلَّمَكَ أَهلُ الفاوِ واسْتَقبَلَكَ أَطفالُها وَهَلَّلَتْ لَكَ نِساؤُها، وضَيَّفَكَ رِجالُها فأسْقوكَ ماءَها، وَبُتَّ تُرَدِّدُ اسمَ العِراقِ، باليَقظَةِ والمنامِ، وأَنتَ حاضِرٌ وأَنتَ غائِبٌ. الماءُ. الماء. سَيأتي غَيثُهُم. نَحرُثُ الأرضَ معًا ونقطفُ الأثمارَ معًا ونَحيا معًا، ونأكُلُ التَّمرَ معًا، نعيش بسلام وأمان وإلى الأبد.
ألنشالة: أولُ سفينةٍ نقلت الماء من الفاو في مدينة البصرة الى الكويت. سنة 1909 بزن الشيخ مبارك الصباح
محمد اليعقوب: مالك السفينة وربانها.
الجِلّيب: حُفرٌ في الأرض لجمْع مياه الأَمطار.
علي البدر Ali Albadr
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏
أعجبني
تعليق
مشاركة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين وبين / سرد تعبيري للكاتبة المسعودي فتيحة / المغرب....................

أُرفرفُ نشوةً / نص للشاعرة عايدة حيدر / لبنان.....................

في هواك مجندة / نص ادبي للشاعرة مارينا أراكيليان أرابيان/ العراق ..........